• ×
الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 | 04-03-1440
د. هلال محمد العسكر

د. هلال محمد العسكر ( صندوق وطني لمساعدة المعسرين)

المتعثر الذي لا يستطع قضاء دينه يعتبرًا معسرًا، والإعسار ضد اليسار، وهو في الاصطلاح: (عدم القدرة على النّفقة، أو عدم القدرة على أداء ما عليه بمالٍ ولا كسبٍ) ، والمعسر يستحق الإنظار كما قال الله تعالى: {وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ} [ البقرة:280]، وهذه الآية عامة في كل معسر كما هو قول جمهور العلماء، وضابط الإعسار عند الفقهاء هو ألا يجد المدين وفاءً لديونه من أموال نقدية أو عينية كالعقارات والأراضي ونحوها، وقد حدد مجمع الفقه الإسلامي ضابط الإعسار في قراره المتعلق ببيع التقسيط حيث ورد في القرار: "ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: ألا يكون للمدين مالٌ زائدٌ عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقدًا أو عينًا"، فالمعسر الذي عنده أموال عينية كالأراضي أو العقارات وهي زائدة عن حوائجه الأصلية، يلزمه بيعها لقضاء ديونه، ولا يلزمه أن يبيع بيته الذي يسكن فيه، أو أرضه الزراعية التي يعتاش منها، أو سيارته التجارية التي يشتغل عليها. وينبغي أن يعلم أن إنظار المعسر واجب شرعًا عند الأئمة الأربعة ما دام معسرًا حقيقةً، لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280]، قال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة: " يأمر الله تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } أي لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حلَّ عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين"، (تفسير ابن كثير 1/653). وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل إنظار المعسر وثوابه عند الله تعالى في أحاديث كثيرة منها: عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه طلب غريمًا له فتوارى عنه ثم وجده، فقال: إني معسر، قال: آلله، قال: آلله، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه" (رواه مسلم). وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلقت الملائكةُ روحَ رجلٍ ممن كان قبلكم، فقالوا: عملتَ من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تذكَّر، قال: كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر، قال الله: تجاوزوا عنه" (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية لمسلم وابن ماجة عن حذيفة أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلًا مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ قال: فإما ذَكرَ وإما ذُكِّرَ، فقال: كنت أبايع الناسَ، فكنت أُنظر المعسرَ، وأتجوز في السَّكة، أو في النقد فغفر له" (التجوز والتجاوز معناهما المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء وقبول ما فيه نقصٌ يسير) كما قال النووي في شرح صحيح مسلم. وفي رواية للبخاري ومسلم عنه أيضًا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن رجلاً ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، فقال هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، فأُنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان رجلٌ يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه، لعل الله عز وجل يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه" (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية للنسائي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، وكان يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، فلما هلك قال الله له: هل عملت خيرًا قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناسَ، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسر، واترك ما عَسُرَ، وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك"، وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حُوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءٌ، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله تعالى: نحن أحق بذلك، تجاوزوا عنه" (رواه مسلم). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله" (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/542). وعن أبي اليسر رضي الله عنه قال: "أبصرت عيناي هاتان -ووضع أصبعيه على عينيه -وسمعت أذناي هاتان -ووضع أصبعيه في أذنيه -ووعاه قلبي هذا -وأشار إلى نياط قلبه- رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله في ظله" (رواه ابن ماجة والحاكم، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/543).

وانطلاقا من كلام رب العالمين وتشريعه العادل الرحيم بعباده، في الآيات والأحاديث آنفة الذكر، وإسهاما في إيجاد آلية لتنفيذ هذا الحكم الشرعي، وفقا لعمل مؤسسي منظم، يخدم هذه الفئة من المعسرين ويسهم في حل مشكلتهم وما يترتب عليها من ضرر قد يلحق بأسرهم وبالمجتمع، نطرح مقترحا نأمل أن ينال استحسان المسؤولين في وزارة المالية ووزارة العدل ووزارة العمل وغيرها من الجهات ذات العلاقة، ويتلخص هذا المقترح في إيجاد "صندوق وطني لمساعدة المعسرين: في سداد ديونهم، حيث أن عقوبة السجن وإيقاف الخدمات، لا تمكن السجين من سداد الدين، الا بمكرمة أو عمل خيري، وعقوبة السجن وإيقاف الخدمات -كما لا يخف على أحد- عقوبتان تسهمان في تفكيك الأسرة وتزيد معاناتها وإلحاق الضرر النفسي بأفرادها، والدولة وفقها الله تحرص على سلامة المواطنين من مثل ذلك، وتراهن على دورهم الايجابي في رعاية الأسرة وتنمية الوطن والمجتمع.

لذلك نرى أن إنشاء صندوق تموله الحكومة، كغيره من الصناديق، لإقراض من يستحق من المواطنين المعسرين، الذين لم يصدر في حقهم أحكام جنائية، وذلك مقابل تشغيل الصندوق لمن ليس لديه شغل؛ فيما يراه مناسبا ويلبي حاجة المؤسسات الحكومية والأهلية والمجتمع، وحسم نسبة مناسبة من رواتبهم الشهرية لسداد ما عليهم من ديون بعد عدم احتساب الأرباح، سيخفف من مصيبة المعسرين ويرفع الضرر الذي قد يلحق بأسرهم وبالمجتمع. والصندوق سوف يستطيع فيما بعد من الاعتماد على موارده التي ترده من الأقساط الشهرية للمعسرين ومن الدعم الحكومي ومن الجمعيات الخيرية والموسرين وغيرهم من فاعلي الخير في بلاد الخير.
خلاصة القول، أن قضاء الديون من الواجبات، وتحرم المماطلة في قضاء الديون من المدين الموسر، وأما المعسر، فيجب إنظاره إلى ميسرة كما أمر رب العالمين بذلك، ووردت أحاديث كثيرة في فضل من أنظر معسرًا وتجاوز عنه. ومن نفَّس عن مسلم كُربةً من كُرب الدنيا، نفس الله عنه كُربةً من كُرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر في الدنيا، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلمٍ في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (رواه مسلم). والأمل تشيل لجنة من وزارة العدل والمالية والعمل لدراسة ذلك ،ويرى هذا الصندوق النور في القريب العاجل بإذن الله.

د. هلال بن محمد العسكر
مدير جمعية الثقافة والفنون في محافظة الدلم
بواسطة : د. هلال محمد العسكر
 0  0  1.1K
التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:09 مساءً الإثنين 3 ربيع الثاني 1440.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.